عبد القادر الجيلاني
74
فتوح الغيب
كلّ خير ، ومنبعا « 1 » لكلّ نعمة وسرور ، وحبور ، وضياء أمن « 2 » وسكون . فالفناء والمنى ، والمبتغى والمنتهى ، حدّ ومردّ ينتهي إليه مسير الأولياء ، وهو الاستقامة الّتي طلبها من تقدّم من الأولياء والأبدال : أن يفنوا عن إرادتهم وتبدّل بإرادة الحقّ عزّ وجلّ ، فيريدون بإرادة الحقّ أبدا إلى الوفاة ، فلهذا سمّوا : أبدالا ، رضي اللّه عنهم . فذنوب هؤلاء السّادة : أن يشركوا إرادة الحقّ بإرادتهم على وجه السّهو والنّسيان ، وغلبة الحال والدّهشة ، فيدركهم اللّه تعالى برحمته بالتّذكرة واليقظة ، فيرجعوا عن ذلك ويستغفروا ربّهم . إذا لا معصوم عن الإرادة إلّا الملائكة ، عصموا عن الإرادة ، والأنبياء عصموا عن الهوى ، وبقيّة الخلق من الإنس والجنّ المكلّفين لم يعصموا منهما ، غير أنّ الأولياء بعضهم يحفظون عن الهوى ، والأبدال عن الإرادة ، ولا يعصمون منهما على معنى يجوز في حقّهم الميل إليهما في الأحيان ، ثمّ يتداركهم اللّه عزّ وجلّ باليقظة برحمته « 3 » .
--> ( 1 ) تحرف في المطبوع : ( ومنيعا ) . ( 2 ) في نسخة : ( وأمن ) . ( 3 ) قال شيخ الإسلام في تعليقته على فتوح الغيب : هذا المقام هو آخر ما يشير إليه الشيخ عبد القادر رضي اللّه عنه ، وحقيقته : أنه لا يريد كون شيء إلا أن يكون مأمورا بإرادته ، فقوله : « علامة فناء إرادتك بفعل اللّه أنك لا تريد مرادا قط » . أي : لا تريد مرادا لم تؤمر بإرادته ، فأما ما أمر [ في نسخة : أمرك ] اللّه ورسوله بإرادتك إياه ، فإرادته : إمّا واجب ، وإمّا مستحب . وترك إرادة هذا : إمّا معصية ، وإما نقص . وهذا الموضع يلتبس على كثير من السّالكين ، فيظنون أن الطريقة الكاملة أن لا يكون للعبد إرادة أصلا ، وأن قول أبي يزيد : أريد أن لا أريد . لمّا قيل له : ماذا تريد ؟ . نقص وتناقض ، لأنه قد أراد ، ويحملون كلام المشايخ الذين يمدحون بترك الإرادة على ترك الإرادة مطلقا ، وهذا غلط منهم على الشيوخ المستقيمين ، وإن كان من الشيوخ من يأمر بترك الإرادة مطلقا ، فإنّ هذا غلط ممّن قاله ، فإن ذلك ليس بمقدور ولا مأمور ، فإن الحيّ لا بدّ له من إرادة ، فلا يمكن حيا أن لا تكون له إرادة [ في نسخة : فلا يكون حيّ من الناس إلا أن تكون له إرادة ] ، فإن الإرادة التي يحبّها اللّه ورسوله ، ويأمر بها أمر إيجاب أو أمر استحباب ، لا يدعها إلا كافر ، أو فاسق ، أو عاص ، إن كانت واجبة . وإن كانت مستحبّة : كان تاركها تاركا لما هو خير له . واللّه تعالى قد وصف الأنبياء والصدّيقين بهذه الإرادة ، فقال تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [ الأنعام : 52 ] . وقال تعالى : وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ( 19 ) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى [ الليل : 19 - 20 ] . وقال تعالى : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا -